الجمعة 03 أبريل 2020 - 10:13 صباحاً
  • فيديوهات
أطمئن حتي لو كورنا
السيسى اثناء التصويت ف الانتخابات
السيسى اثناء التصويت ف الانتخابات
لحظة تكريم دكتور ياسر طنطاوي واستلامه شهادة شكر وتقدير من اتحاد الكتاب
مسجد الروضة ببئر العبد بعد تجديده
احداث انفجار مسجد العريش
  • استطلاع رأى

هل تؤيد فرض رقابة على صفحات مواقع التواصل لمواجهة دعاوى التطرف؟

  نعم


  لا


نتائج
  • القائمة البريدية
ضع اميلك هنا
  • معجبى الفيس بوك
  • معجبى تويتر

هنا .. مكان الدين

الاثنين 23 مارس 2020 01:06:00 مساءً

بقلم : الكاتب والمفكر مؤمن الهبـاء
رئيس تحرير المساء السابق
 
عندما تقف البشرية عاجزة أمام البلاء ، وكثيرا ما تعجز، هنا يكون مكان الدين ووقت الدين ودور الدين ، هنا يكون مكان الإيمان والعودة إلى الله ، وإدراك الحقيقة التى يتهرب منها المتكبرون المتجبرون ، حقيقة أن العقل البشرى بطبيعته محدود القدرات ، لا يمكنه أن يحيط بكل شيء فى الكون الفسيح ، وأن مخلوقا دقيقا جدا مثل فيروس كورونا يمكن أن يعجز هذا العقل وصاحبه ، وأن للعالم قوة عظمى تدير شئونه ، أعظم بكثير من أمريكا وروسيا والصين والاتحاد الأوروبى والناتو ، وما استطاع عقل الإنسان المحدود أن يصل إليه من علم ومجد فبسلطان هذه القوة الإلهية وتوفيقها ، وليس رغما عنها .
ربما كان وباء الكورونا فرصة للمتكبرين أن يثوبوا لرشدهم ، ويقفوا خاشعين أمام جلال العجز وجلال الموت ، ربما كان رسالة من الخالق العظيم لكى يعيدنا إلى إنسانيتنا ، إلى بشريتنا ، ويذكرنا بأننا مهما بلغنا من العلم والتقدم التكنولوجى فإن ماغمض علينا من أسرار الكون والخلق أكثر بكثير جدا مما عرفنا ، وأنه وحده سبحانه الذى أحاط بكل شيء علما ، وسيظل هذا الغموض ماثلا فى حياتنا لكى نظل فى حاجة إلى قدرته ومشيئته ، وإلى لطفه وعطفه ، وطريقنا إلى ذلك هو التضرع والدعاء ، وهنا بالضبط مكان الدين .
ومع هذا الوضوح الجلى للرسالة فإن هناك من المستكبرين من امتعض وتأفف من الذهاب إلى الدين أمام الكورونا ، ووضع قدرة الله فى مواجهة ومقارنة مع قدرة البشر ، وتفاخر بأن علماء الأرض يبحثون فى معاملهم ليل نهار عن علاج للفيروس بينما نهرول نحن إلى الدين ، ونلوذ بالدعوات والصلوات ، وكأن الدين ضد البحث عن الدواء ، ولم يخفت صوت هؤلاء إلا بعد أن أعلن الرئيس الأمريكى يوما قوميا للدعاء ، وطالب شعبه بالصلاة حتى ينقذ الله البشرية من البلاء المهلك .
لقد أعطانا الخالق العظيم مفاتيح العلم ، وأرشدنا إلى طريقه ، لكنه نبهنا فى الوقت ذاته ألا نغتر بعلمنا ، وقال لنا بوضوح كامل " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " ، أما الكثير من ألغاز الكون وأسرار مخلوقاته فعلمه عند الله وحده ، وهو الذى ييسر لنا إدراكه فى الوقت الذى يشاء ، وبالطريقة التى يريدها ، ولذلك كان من الطبيعى أن يزداد العقل السوى إيمانا كلما ازداد علما ، أما المستكبرون الذين اغتروا بالعقل وألهوا العلم من دون الله فقد توعدهم جل شأنه فى قوله : " فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله "، وفى قوله : " ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون " .
لا مشكلة للإسلام مع العلم ، ولا مع العقل ، وإنما المشكلة مع المستكبرين ، المتعالين بالعلم والعقل ، الذين يظنون أن العلم والعقل ينفيان الدين ، ويحلان محله ، يقولون ذلك بصيغة واضحة حينا ، وبصيغ مراوغة أحيانا كثيرة ، دون أن تخشع قلوبهم لذكر الله ، ولم يتعظوا من رسالة الله تعالى فى كتابه العزيز : " حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ".
فى ثقافتنا الإسلامية الدين والعلم يلتقيان ، لا تناقض بينهما ولا تضاد ، التناقض الحقيقى مع الجهل والعشوائية والفوضى والتواكل ، التناقض الحقيقى مع من يحتقر العلم ويتخلف عن امتلاك أدواته ، ويركن إلى الخرافات ، ويعمل على تغييب العقل فى مواجهة البلاء العظيم ، وقد جعل الإسلام الحفاظ على الدين والعقل فى مقدمة الكليات الخمس ـ أو الضرورات الخمس ـ التى يجب احترامها وصيانتها وحمايتها ( الدين والنفس والعقل والمال والعرض ) ، فلا يوجد شيء أعز على الله فى الأرض من الإنسان الذى خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له الملائكة ، وسخر له ما فى السماوات والأرض ، وجعل الحفاظ على حياته وصحته واحترام حقوقه وحفظ كرامته من أعظم الواجبات التى أوجبتها الشريعة .
وليس أضل من أولئك المستكبرين ، الذين يسخرون من لجوء الناس إلى الدين ، إلا إخوانهم الذين أعمتهم شراهتهم عن كل قيمة إنسانية راقية ، فحولوا محنة البلاء إلى مهرجان للشراء وإظهار قدراتهم المالية الفائقة ، وحملوا كل ما على أرفف المحلات إلى بيوتهم ، لضمان توافر احتياجاتهم لأشهر قادمة ، وأعطوا الفرصة للتجار الجشعين كى يمارسوا الاحتكار ويضاعفوا الأسعار ، فلا يجد الفقير مايغطى حاجته ، وهو يدبر بالكاد احتياجات يوم بيوم .
من الواجب أن يكون البلاء العظيم فرصة عظيمة للعودة إلى إنسانيتنا ، أن يرقق قلوبنا ، وينأى بنا عن الغلظة والقسوة والأثرة ، فيجعلنا نفكر بشكل جماعى ، كيف ننجو معا من هذا الوباء الذى لا يبقى ولا يذر ، ولا يفرق بين غنى وفقير، ولا يميز بين الناس على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو اللون ، كيف نتعاون ونتكافل ونتراحم لإنقاذ الجنس البشرى من الهلاك ، وهنا ـ مرة أخرى ـ مكان الدين .
الدين يأمرنا " وتعاونوا على البر والتقوى " ، لا فائدة من الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية وحاملات الطائرات أمام فيروس يهدد كوكب الأرض بالخراب والدمار ، لا فائدة من حروب القوة واستكبار رأس المال ، حان الوقت لنتعلم التواضع والرشاد ، ولنعمل معا على إنقاذ كوكبنا .
يا ضمير العالم استيقظ قبل أن تعود بنا إلى العصر الحجرى .