في قلب هذه التحديات، يبرز أمل جديد من خلال رؤية مصر للتنمية المستدامة 2030 وبناء الجمهورية الجديدة، التي تولي الثقافة والفنون مكانة محورية في بناء الإنسان المصري وهنا يظهر اهمية احياء مدخل “العلاج المجتمعي بالفن” كأحد المداخل التنموية الواعدة التي تتفق مع هذه الرؤية هذا المدخل الذي يعني بتوظيف الفنون كالسينما والمسرح والموسيقى لخدمة قضايا التنمية المستدامة، من التوعية الصحية إلى الحفاظ على البيئة، ومن تعزيز قيم المواطنة إلى مكافحة الفكر المتطرف جمالية هذا المدخل تكمن في سرعة تأثيره وانتشاره الواسع فبينما قد تستغرق حملات التوعية التقليدية سنوات لتحقيق نتائج محدودة، يمكن لمسلسل درامي هادف، أو أغنية شعبية مؤثرة، أو فيلم تسجيلي مبدع، أن يصل إلى الملايين ويغير قناعاتهم وسلوكياتهم في وقت قياسي ،إنه الاستثمار الحقيقي في الوجدان الجمعي بهدف احداث التغيير الايجابي، في العقل ،والواقع، هذا الطرح يتوافق تماما مع أهداف رؤية مصر 2030.
ولتحقيق هذه النقلة النوعية، يمكن وضع خطة عملية تشمل دورا محوريا لجميع الأطراف الفاعلة في المجال الفني بدون اغفال لدور المنظمات الأهلية لما لها من رؤية تنموية، فيجب أن تبدأ هذه الخطة بتأسيس بنية تحتية للفن الهادف من خلال إنشاء مراكز إبداع في جميع المحافظات لدعم الموهوبين، وتأسيس صندوق وطني لتمويل المشروعات الفنية التنموية، وتطوير استوديوهات إنتاج مجهزة بتقنيات حديثة كما يجب العمل علي تصميم برامج متكاملة لبناء قدرات الفنانين من خلال عقد ورش عمل متخصصة حول كيفية دمج القضايا التنموية في أعمالهم، وتأهيل كتاب السيناريو لصياغة محتوى هادف يجمع بين التشويق والقيمة المضافة، وتدريب المخرجين على توظيف التقنيات البصرية لنشر الوعي ولا يمكن إغفال أهمية الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص لتمويل المشروعات الفنية التنموية، حيث يمكن تعزيز التعاون بين وزارتي الثقافة والتربية والتعليم لإدراج التذوق الفني في المناهج، وإشراك القطاع الخاص والمنظنات الاهلية في دعم الإنتاج الفني الهادف، والتعاون مع الجامعات لإنشاء مراكز أبحاث لقياس أثر الفن على المجتمع. ،واخيرا إنشاء مرصد للمحتوى الفني يرصد القيم التي يتم ترويجها.
وهنا احب ان اتناول احد الأمثلة المشرفة لما يمكن أن تقوم به المنظمات الاهلية في تعزيز ودعم دور الفنون في التنمية الا وهي مؤسسة “مصر الخير” فمن خلال برنامجها لتعزيز الفنون والتراث تقدم المؤسسة وجبات فنية، تستهدف الحفاظ على الموروث الثقافي ليس هذا فحسب ، بل تعمل علي تدعم الانشطة الفنية الجادة التي يقوم به جهات اخرى مثل دعم المهرجانات السينمائية التي تسلط الضوء على الأفلام التنموية والوثائقية كما تقوم المؤسسة بإنتاج أفلام تنموية وثائقية تخاطب العقل والقلب معا، وتعمل على توعية العاملين في المجالات الفنية – من كتاب ومخرجين وممثلين – بكيفية تناول القضايا التنموية بشكل إبداعي مؤثر هذا المثال يوضح ما يمكن أن تقوم به المنظمات الأهلية فبما لدى تلك المنظمات من مرونة في التخطيط والتحرك يمكن لها ان تلعب دوراً حيويا في دعم الحركة الفنية وتوجيهها نحو خدمة قضايا التنمية برعاية الإبداع الهادف، وبناء قدرات الفنانين الشباب، وخلق منصات لعرض منتج فني يخدم المجتمع ويحافظ على قيمه وهويته.
في الختام، إن المعركة الحالية ليست معركة على وجود الفن، بل هي معركة على روحه ووجهته إما أن نستسلم لاستمرار تحويل وجداننا إلى ساحة للاستهلاك فقط، أو ننتفض كمجتمع مدني لاستعادة الدور التنموي للفن كطبيب للمجتمع ومنارة للتنمية المستدامة يقول المفكر المصري الكبير جمال حمدان: “الأمة التي تفقد فنونها، تفقد ذاكرتها” فلنعمل معاً على أن تظل ذاكرتنا حية، وفنوننا خادمة لتنمية مجتمعنا وداعمة في بناء جمهوريتنا الجديدة إن مستقبلنا مرتبط بقدرتنا على استعادة دور الفن الحقيقي كجسر نحو غد أفضل، وسفينة تنقلنا من براثن الاستهلاك إلى آفاق التنمية المستدامة والنهضة الحقيقية.
تعليقات