صناعة الحلال .. الاقتصاد المتدين
كتب ...د مسعود صبري.
. عضو ومقرر مركز الكويت للاقتصاد الإسلامي
" مصطلح الحلال" من أهم المصطلحات الشائعة في العالم الإسلامي؛ لأنه يمثل البنية الدينية للمجتمع المسلم الذي يقترب تعداده على ملياري مسلم حول العالم، وذلك من خلال احترام الأحكام الشرعية من الحلال والحرام، وقد تطور هذا المفهوم في مجال الاقتصاد الإسلامي ليشمل كثيرا من القطاعات، كقطاع المعاملات المالية بوجه عام، وقطاع المصارف والتأمين بوجه خاص، لكن برز في العقود الأخيرة عناية بقطاع حيوي من قطاعات الاقتصاد الإسلامي، ألا وهو قطاع (صناعة الحلال)، وقد كان هذا المفهوم ينصب على المفهوم التقليدي الذي يعنى بمراعاة أحكام الحلال والحرام في قطاع الغذاء، وبخاصة الذبائح، ومع كونه قطاعا كبيرا ومهما وأصحاب أرقام كبيرة في الناتج المحلي، إلا أن مفهوم" صناعة الحلال" قد تطور تطورا هائلا، ليشمل مجالات حيوية متعددة، مثل: صناعة الأدوية، ومستحضرات التجميل، والخدمات السياحية، مع زيادة في منتجات الصناعات الغذائية الحديثة.
صناعة الحلال للمسلمين وغيرهم:
وقد شهد قطاع " صناعة الحلال إقبالا كبيرا من الجمهور في العالم الإسلامي، بما في ذلك كثير من غير المسلمين؛ لارتباطه بمعايير الجودة التي تضمن سلامة منتجات صناعة الحلال وبما يعود بالنفع على صحة الإنسان.
ومن اللافت للنظر أن سوق " صناعة الحلال" لا يسيطر عليه الدول الإسلامية صاحب الفكرة والمنشأ، بل حسب الإحصائيات، فإن الدول غير الإسلامية تسيطر على (85%) من سوق " صناعة الحلال، وذلك راجع إلى الإمكانات الهائلة لهذه الدول من جهة التصنيع والتسويق والمكانة العالمية والتطور الصناعي، وهذا يمثل تحديا كبيرا للدول الإسلامية التي تمثل جوهر صناعة الحلال وفلسفته من جهة، كما أنها تملك المقومات والموارد البشرية بل والمادية لتكون هي رائدة هذا المجال.
مفهوم صناعة الحلال:
ينطلق مفهوم" صناعة الحلال" من كثير من الآيات القرآنية التي تحث على أكل الحلال الطيب، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾ [المائدة: 88] ، والحلال طيب هو قيمة أخلاقية ودينية واقتصادية ومعيارية في الوقت ذاته، فهي تجمع بين النظام الاقتصادي المتكامل القائم على إنتاج وتداول السلع والخدمات التي تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، وبالتعريف الفقهي، فهو الأنشطة التجارية التي تضمن أن المنتج من الغذاء أو الدواء أو المال أو غيره قد مر بمراحل إنتاج لا تخالف الشريعة، فهو خال من المواد النجسة والمحرمة، كالخنزير والكحول والميتة والربا؛ حفاظا على صحة الإنسان وحياته.
أركان صناعة الحلال:
ولأن " الحلال" هنا صناعة، فهو ليس مجرد رأي دين فحسب، بل لابد من تطبيق المعايير الشرعية والمهنية في " صناعة الحلال"، ولذلك، فلها ثلاثة أركان:
الركن الأول: وهو المصدر، ونعني به أن تكون المواد الأولية للتصنيع مباحة شرعا، وليس فيها محظور من جهة الشريعة.
الركن الثاني: الطريقة، بمعنى أن تتم عملية التصنيع أو تقديم الخدمة وفق الضوابط والمعايير المهنية الشرعية، ومثاله: التزام الذبح بالطريقة الشرعية، مع خلو خطوط الإنتاج من التلوث بمنتجات غير مباحة.
الركن الثالث: الرقابة والجودة: ونعنى له وجود جهات رقابية، ليس فقط لتمنح شهادة الحلال، بل لتتابع عملية التصنيع بما يحقق معايير الجودة الشرعية والمهنية، وبما يضمن سلامة المستهلك.
وعلى هذا، فصناعة الحلال مفهوم شامل، وليس قاصرا على إبداء الرأي الشرعي، بل منظومة اقتصادية متكاملة، تشمل سلامة المنتجات، وتطبيق معايير الجودة العالية وفق أعلى المواصفات، مع مراعاة الجانب الأخلاقي في الممارسة، وذلك كله وفقا للضوابط الشرعية التي تضمن جودة المنتج حتى يكون " حلالا طيبا".
مجالات صناعة الحلال:
تجاوزت" صناعة الحلال" المفهوم التقليدي الذي يتعلق بذبح اللحوم والدواجن وفق أحكام الشريعة، ليشمل نطاقات متعددة ومتنوعة في الصناعات، ومن أهمها:
أولا- الغذاء والشراب: لتكون الأطعمة والأشربة ذات فائدة صحية، وذلك من خلال خلوها من المحرمات كالكحول والجيلاتين ولحم الخنزير، وكل ما هو ضار بصحة الإنسان من الأطعمة والأشربة.
ثانيا- الأدوية ومستحضرات التجميل: فيراعى فيها أن تكون منتجاتها خالية من الكحول والدهون الحيوانية المحرمة، وألا تضار ضارة بجسد الإنسان، وفق اختبارها في المعامل على الحيوانات قبل استعمال الإنسان لها.
ثالثا- الملابس وأزياء الموضة: فمع انتشار صناعة الملابس وأزياء الموضة أصبحت الحاجة ملحة لوجود معايير وضوابط لتحقيق الحشمة والستر.
رابعا- السياحة والسفر: وذلك من خلال تقديم خدمات سياحية خالية من المحرمات؛ كالكحول ولحم الخنزير، وتوفر أيضا خدمات دينية، مثل أماكن للصلاة، وأطعمة حلال في الفنادق، وخلوها من ممارسة الرذيلة.
خامسا- الخدمات اللوجستية وسلسلة التوريد: وذلك من خلال نقل وتخزين المنتجات الحلال بشكل مستقل تماما ومنفصل عن المنتجات المحرمة؛ بقصد ضمان عدم اختلاطها أو تلوثها بها.
وغير ذلك من المجالات المتنوعة.
وباختصار: فـ" صناعة الحلال"، هي اقتصاد قيمي، يجمع بين احتياجات المسلم والإنسان الروحية، ومراعاة معايير الكفاءة والجودة والسلامة العالمية، لتجمع بين المعايير الشرعية والمهنية؛ تلبية لاحتياجات الإنسان الفطرية، والتي يشعر معها بالراحة والصحة.
ما هي ردة فعلك؟