قانون البقاء لايعرف الأوهام
بقلم: أحمد شلبي
الحياة على الأرض لم تُبنَ على العدل، بل على قانون البقاء. هذا القانون البسيط حكم الكائنات الحية منذ ملايين السنين حيث البقاء للأقدر على التكيف، والأكثر ذكاءً في التعامل مع المتغيرات. لم يكن الصراع يومًا بين الخير والشر كما تصوره الحكايات، بل بين القوي والضعيف، والواعي والغافل، ومن يفهم الواقع ومن يصر على تجاهله.
وعندما نطبق هذا القانون على عالم الدول، تتضح الصورة بقدر أكبر من القسوة. فالدول التي تمتلك العلم الحقيقي، والسلاح الأقوى، والاقتصاد المتين، والعقول القادرة على التفكير الحر هي التي تقود العالم. أما الدول التي تعيش على الشعارات والأوهام فهي غالبًا ما تجد نفسها في موقع التابع أو الضحية.
في الشرق الأوسط، تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا. فالكثير من المجتمعات ما زالت تحتمي وراء ستار كثيف من الأيديولوجيات والأوهام الدينية والسياسية، بينما يتحرك العالم بمنطق مختلف تمامًا ،إنه منطق المصالح والعلوم والتكنولوجيا والقوة.
الحقيقة الصادمة أن الواقع كشف هشاشة الكثير من المسلمات التي تم تلقينها لأجيال كاملة. فالعالم لا يعمل وفق مفهوم العدالة المثالية التي نتمنى وجودها، بل وفق ميزان القوة والمعرفة. ومن يظن أن الحياة عادلة بطبيعتها يعيش في وهم خطير قد يدفع ثمنه مجتمع بأكمله.
الأخطر من ذلك أن كثيرًا من النخب في المنطقة ما زالت أسيرة الأيديولوجيا. فالأيديولوجيا، أيًّا كان اسمها، تحاول إجبار الواقع المعقد على الانصياع لقالب فكري واحد. قد تكون هذه الأيديولوجيا دينية أو قومية أو ليبرالية أو اشتراكية، لكنها في النهاية تؤدي الوظيفة نفسها" تبسيط الواقع إلى حد تشويهه".
وهنا تتحول الأفكار من أدوات للفهم إلى قيود للعقل.
يصبح الإنسان مدافعًا عن الفكرة بدلًا من أن يكون باحثًا عن الحقيقة. وتتحول المجتمعات إلى ساحات صراع بين أتباع أفكار جامدة، بينما يواصل العالم المتقدم بناء قوته في المختبرات والجامعات ومراكز البحث.
التفكير الواقعي لا ينتمي إلى أي أيديولوجيا. فالعقل الحر لا يقدس الأيديولوجيات، بل يستخدم الأفكار كأدوات مؤقتة لفهم الواقع وإدارته. وعندما تفقد الفكرة قدرتها على تفسير العالم أو تحقيق المصلحة العامة، يجب التخلي عنها بلا تردد.
إن الدول التي نجحت في التاريخ لم تتقدم لأنها امتلكت الأيديولوجية الأجمل، بل لأنها امتلكت العقل الأكثر مرونة. لقد فهمت هذه الدول أن النجاة في عالم متغير تحتاج إلى براغماتية سياسية، ونظام تعليمي حقيقي، وقانون عادل، ومؤسسات شفافة.
أما المجتمعات التي ترفض إصلاح عقلها الجمعي، وتستبدل التفكير النقدي بالشعارات، فإنها تخاطر بأن تتحول إلى مجرد ساحات نفوذ لقوى أخرى أكثر علمًا وتنظيمًا.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس أي أيديولوجية هي الأفضل؟
السؤال الحقيقي .. هل نملك الشجاعة لمواجهة الواقع كما هو؟
فالعالم لا ينتظر أحدًا، والتاريخ لا يمنح فرصًا بلا نهاية.
والأمم التي لا تبني العلم، ولا تحرر عقولها، ولا تطور مؤسساتها، غالبًا ما تجد نفسها أمام مصير قاسٍ إما التبعية لغيرها، أو التلاشي على هامش التاريخ.
إن المعركة الحقيقية ليست بين الشرق والغرب، ولا بين دين وآخر، ولا بين يسار ويمين.
المعركة الحقيقية هي بين العقل الذي يرى الواقع بوضوح، والعقل الذي يهرب منه.
وفي النهاية، يبقى قانون الحياة كما كان منذ البداية.
"البقاء ليس للأكثر صراخًا بالشعارات، بل للأكثر علمًا وذكاءً وقدرة على التكيف مع العالم كما هو".
ما هي ردة فعلك؟