حين يصل العقل إلى حافة الكون
بقلم: أحمد شلبي
منذ أن رفع الإنسان رأسه إلى السماء وطرح السؤال الأول: من أين جاء كل هذا؟، لم يتوقف العقل عن البحث. سؤال الوجود لم يكن يومًا دينيًا فقط، ولا علميًا فقط، بل كان دائمًا سؤالًا فلسفيًا في جوهره. ومن هنا ظهر مفهوم بالغ الأهمية في تاريخ التفكير الإنساني: واجب الوجود.
ما هو واجب الوجود ببساطة؟
في الفلسفة، يُقصد بـ واجب الوجود ذلك الكيان الذي لا يحتاج إلى سبب خارجي ليكون موجودًا، ولا يمكن تصور عدم وجوده من الأساس.
بمعنى آخر:
كل ما نراه حولنا يمكن أن يوجد أو لا يوجد: النجوم، الكواكب، البشر، وحتى الكون نفسه.
أما واجب الوجود، فهو إن وُجد، فوجوده ضروري بذاته، وليس نتيجة لشيء قبله.
الفلاسفة سمّوا ما حولنا موجودات ممكنة، لأنها غير واجبة، بينما واجب الوجود هو النقطة التي يتوقف عندها سؤال: ومن خلق هذا؟
لماذا احتاج العقل إلى هذا المفهوم؟
هنا تظهر واحدة من أقدم الحجج الفلسفية: الحجة الكونية.
منطقها بسيط:
كل شيء ممكن يحتاج إلى سبب.
الكون مليء بأشياء ممكنة.
لا يمكن أن تمتد الأسباب إلى ما لا نهاية.
إذن لا بد من سبب أول… غير محتاج لسبب.
هذا السبب الأول هو ما أطلق عليه الفلاسفة واجب الوجود.
الفيلسوف سبينوزا لخّص الأمر في مبدأ شهير:
«لكل شيء تفسير كافٍ لوجوده»
لكن واجب الوجود – إن صح – يكون تفسيره في ذاته، لا خارجها.
وماذا يقول العلم؟
العلم الحديث لم يُلغِ السؤال، بل أعاد صياغته.
الانفجار العظيم يخبرنا كيف بدأ الكون، لكنه لا يجيب عن لماذا بدأ.
قوانين الفيزياء تشرح سلوك الكون، لكنها لا تشرح لماذا توجد هذه القوانين أصلًا.
الثوابت الفيزيائية مضبوطة بدقة مذهلة، ولو اختلّت قليلًا لما وُجدت حياة.
حتى أكثر النظريات جرأة – مثل الأكوان المتعددة أو نشوء الكون من تذبذب كمي – تصطدم بسؤال حاسم:
ولماذا وُجد هذا الإطار الكوني من الأساس؟
ثلاث طرق لفهم واجب الوجود
أمام هذا المأزق، يقترح الفكر الإنساني ثلاث رؤى كبرى:
#واجب الوجود كضرورة عقلية (الجبر)
هنا يكون الوجود حتميًا، كما أن 2 + 2 = 4. الكون نتيجة قوانين منطقية صارمة، بلا إرادة. المعضلة: كيف نشأ الوعي والحرية من كون مجبر؟
# واجب الوجود كإرادة واعية
الكون نتاج اختيار، لا صدفة. العقل يفسر العقل، والوعي يفسر الوعي. المعضلة: كيف نفسر الألم والشر والعشوائية الظاهرة؟
# واجب الوجود كعشوائية أولى
لا غاية، لا قصد، فقط فوضى أنتجت نظامًا. المعضلة: كيف يظهر هذا الانتظام الرياضي الدقيق من العبث؟
ثلاثة أبعاد للأزمة
رياضيًا: الكون منضبط بطريقة تثير الدهشة.
فيزيائيًا: تطور من بساطة مدهشة إلى تعقيد مذهل.
وجوديًا: الوعي حاضر، والسؤال عن المعنى لا يختفي.
وفي كل بُعد، نجد أنفسنا أمام نفس المفترق:
ضرورة؟ إرادة؟ أم صدفة؟
ماذا يقول الفكر المعاصر؟
بعض الفلاسفة يرون أن:
الكون نفسه هو واجب الوجود.
أو أن السؤال ذاته نابع من طبيعة وعينا، لا من الواقع.
أو أن وجودنا مجرد نتيجة إحصائية، لا تحمل معنى كونيًا.
وهناك من يذهب أبعد من ذلك، فيقول إن سؤال:
«لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء؟»
قد يكون سؤالًا خاطئًا في الأساس.
الخلاصة
قضية واجب الوجود تقف عند الحدود القصوى لما يستطيع العقل والعلم الوصول إليه.
هنا تلتقي:المعرفة،والوجود،وحدود الإثبات العلمي.
ولا يمكن حسم المسألة تجريبيًا، لأن أي إجابة تنطلق من افتراضات أولية لا يمكن البرهنة عليها نهائيًا.
و التفكير في هذه الأسئلة لا يعني الهروب إلى مغالطة إله الفراغات، ولا تعليق كل مجهول على شماعة الغيب، بل هو احترام للعقل، وإيمان بأن بعض الأسئلة الكبرى خُلقت لتُفكَّر… لا لتُغلق.
فالكون لا يطلب منا إجابة نهائية،
بل يطلب عقلًا شجاعًا لا يخاف السؤال.
ما هي ردة فعلك؟