رمضان بين روحانية الإيمان ووصاية الفقهاء

فبراير 12, 2026 - 19:44
 0  12
رمضان بين روحانية الإيمان ووصاية الفقهاء

كتب/ أحمد شلبى 

مع اقتراب شهر رمضان، تتكاثر الأصوات، وتعلو المنابر، وتفيض الشاشات بفتاوى لا تنتهي. يصبح الدين في كثير من الأحيان ساحة صراع على النفوذ، وموسمًا للظهور، وفرصة لتكريس الوصاية على ضمائر الناس. وكأن العلاقة بين الإنسان وربه لا تكتمل إلا عبر وسيط يحتكر الفهم، ويمنح صكوك القبول أو الرفض.

لكن السؤال الجوهري الذي أطرحه هنا فى هذا المقال -هل الدين في جوهره مؤسسة أم تجربة؟ هل هو سلطة أم روح؟

من منظور فكري علماني، الدين علاقة شخصية عميقة بين الإنسان وربه، علاقة تقوم على الضمير، والنية، والسلوك، لا على كثرة الفتاوى ولا على احتكار التأويل. الدين ليس شركة مساهمة يديرها فقهاء، ولا مؤسسة مغلقة لا يدخلها إلا من يحمل ختمًا رسميًا. إنه تجربة روحية حرة، تتجلى في صفاء القلب قبل طقوس الجسد.

لقد تحول الدين، في بعض الممارسات، إلى منظومة فقهية معقدة، تضخمت فيها التفاصيل حتى غابت المقاصد. 

صرنا نعيش أحيانًا “دين الفقهاء” لا “دين الله”. دينًا تحاصره الأسئلة الشكلية: هل يصح؟ هل يجوز؟ هل يبطل؟ بينما تغيب الأسئلة الكبرى: هل رحمنا؟ هل عدلنا؟ هل صدقنا؟

رمضان، في جوهره، ليس شهر الجدل الفقهي، بل شهر التهذيب الداخلي. ليس ساحة لتخويف الناس من النار بقدر ما هو فرصة لإحياء الضمير. الصوم ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل امتناع عن الظلم، عن الكذب، عن القسوة. الزكاة ليست رقمًا يُدفع، بل إحساسًا بالمسؤولية الاجتماعية. القيام ليس حركات متتابعة، بل وقفة صادقة مع النفس.

الفكر العلماني كما يُساء فهمه أحيانًا لا يعادي الإيمان، بل يحرره من الاحتكار. هو يرفض أن يتحول الدين إلى أداة هيمنة أو وسيلة للسيطرة على العقول. يؤمن بأن الإنسان مسؤول أمام ربه مباشرة، بلا وسيط يحتكر الحقيقة. فلا شيخ يملك مفاتيح الجنة، ولا كاهن يحتكر الغفران، ولا مؤسسة تملك الضمير الجمعي.

الدين الروحي الحقيقي يظهر في المعاملة. في التاجر الذي لا يغش، في الموظف الذي لا يرتشي، في القاضي الذي لا يظلم، في الأب الذي لا يقهر أبناءه باسم الطاعة، وفي الإعلامي الذي لا يضلل جمهوره باسم الدفاع عن القيم. هذه هي العبادة التي لا تحتاج إلى إعلان، وهذه هي التقوى التي لا تُقاس بطول اللحية ولا بكثرة الشعارات.

إن أخطر ما يواجه التدين هو تحويله إلى تمثيلية جماعية؛ طقوس في العلن، وقسوة في الخفاء. صخب في المساجد، وصمت أمام الظلم. هنا يفقد الدين روحه، ويتحول إلى قشرة.

رمضان فرصة لإعادة الاعتبار إلى الجوهر. أن نسأل أنفسنا: هل نحن أكثر رحمة؟ أكثر عدلًا؟ أكثر صدقًا؟ إن لم يحدث ذلك، فكل فتاوى العالم لن تصنع إنسانًا صالحًا.

الدين، حين يتحرر من الوصاية، يعود إلى مكانه الطبيعي: في القلب.

وحين يعود إلى القلب، ينعكس في السلوك.

وحين ينعكس في السلوك، يصبح المجتمع أكثر إنسانية.

ذلك هو الدين الروحي… الذي لا يملكه أحد، ولا يحتكره أحد، ويظهر في المعاملة قبل الكلمات.

ما هي ردة فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow