كُلفة الانتظار.. والحكمة المؤجّلة

سبتمبر 29, 2026 - 12:12
سبتمبر 29, 2026 - 12:52
 0  28
كُلفة الانتظار.. والحكمة المؤجّلة

هذا هو عنوان صفحتك. مثال على صفحة HTML‏ هذا هو نص صفحتك.

بقلم: حسام الدين محمد مدبولي

"لو علِمتم الغيب.. لاخترتم الواقع"..

لكن.. ماذا عن سنوات عمرنا التي انقضت وسط العتمة والانتظار؟!

كثيراً ما أقف أمام هذه العبارة العميقة، أتأملها وأتدبرها في زحمة الحياة ومواقفها المتلاحقة...

حينما أتأمل رحلة الإنسان، أشعر وكأنني أنظر إلى المشهد من مكانٍ عالٍ يطل على سنوات العمر الممتدة، فأجد أمراً عجباً! أجد المرء يتعرض لموقفٍ ما في أول حياته أو منتصفها؛ فقدِ عزيز، أو خسارةِ مال، أو ضياعِ وظيفة، أو انكسارِ قلب، أو هزيمةٍ ومؤامرةٍ من قريب. فيستسلم لموجات الحزن والأسى التي تعصف بصحته ونفسيته، وتستنزف شهوراً وسنواتٍ من عمره الغالي وسط ألمه ومرضه.

ولكن.. بعد مرور سنواتٍ طوال، تنجلي الغشاوة فجأة، وتظهر الحكمة الإلهية التي لم نكن نراها! وهنا يطرح السؤال نفسه ببالغ العمق: لو أننا رأينا الحكمة وعلمناها لحظة وقوع الحدث، هل كنا سنستوعبها وقتها؟ أم أن من تمام اللطف الإلهي أن تتأخر للوقت المناسب حتى ينضج الإنسان وتصقله التجارب؟

يزداد السؤال حسرة حين ندرك الحقيقة المرة؛ وهي أن "هذه السنوات هي اقتطاع أصيل من رصيد عمرنا المحدود"! فعندما تنجلي الحكمة بعد عشر سنوات أو أزيد، نكون قد دفعنا ثمن هذا الانتظار من صحتنا وراحة بالنا.

قد يتساءل أحدنا بمرارة: "لو استرجعتُ والديّ أو صحتي أو تجارتي في صغري لكانت حياتي أجمل!".. ولكننا ننسى الحقيقة الغائبة؛ وهي أننا لا نعلم لو تحقق لنا ذلك الخيار في ذلك الوقت المبكر، هل كان ليكون خيراً لنا أم هدمًا لحياتنا؟ لقد أخّر الله العطاء أو صرف البلاء ليتلقاه الإنسان في الوقت الذي اكتمل فيه نضجه وأصبح قادراً على التعامل مع النعمة بوعي.

وإذا أردنا استقراء العِبر، فلن نجد أعظم من قصص الأنبياء؛ فهذا يوسف الصديق عليه السلام يخوض رحلة ابتلاء مريرة ناهزت الأربعين عاماً، بين غيابات البئر وفتنة القصر وعتمة السجن، ويعيش أبوه يعقوب عليه السلام حزناً سرمدياً يبكي فيه حتى أبيضّت عيناه.. عقود انقضت من العمر دون أن يعلما متى النهاية، حتى جاءت اللحظة التي استُدعي فيها يوسف ليُصبح عزيز مصر، ويرتد إلى أبيه بصره، وتتجلى الحكمة الكبرى بعد طول انتظار!

وهذا نبي الله أيوب عليه السلام يظل طريح المرض مبتلىً في بدنه وماله وولده لقرابة الثمانية عشر عاماً، حتى فاض قلبه بنجوى: "أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"، فجاءه الفرج لتتحول سنوات الابتلاء إلى عنوان خالد للصبر. وتتكرر المشاهد مع نوح وإبراهيم ويونس عليهم السلام وصولاً لسيرة حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وهنا نصل إلى اليقين الحقيقي؛ فالله سبحانه وتعالى هو الذي يُعين الإنسان، يمنحه الصبر وقوة التحمل، ثم يُجازيه ويُثيبه على هذا الصبر. العبرة ليست بـ 50 أو 60 سنة نعيشها، بل بمدى وعينا وقدرتنا على الوقوف مع أنفسنا لمراجعة رحلة النضج، واضعين دائماً القاعدة الذهبية: أن نغلق باب "لو كان"، فنحن مسيّرون في أفعال الله ومخيرون في أفعالنا، والرضا بالقضاء والأقدار هو باب السكينة.

علينا أن ننتظر الحكمة بكل رضا، لا بسخط ولا بتبرم، حتى تنجلي الغمة وتنكشف العبرة. وحتى إن لم تظهر الحكمة جليّة في حياتنا الدنيا، فإن أعظم الثواب أن الله يرضى عن العبد الصابر ويُوفيه أجره بغير حساب.

ختاماً.. إذا انجلت لك الحكمة يوماً وعرفتها بعد سنوات، فاحمد الله واشكره؛ فقد كشفها لك ليطمئن قلبك، ولتعلم أن وقت كشفها — كما كان مع الأنبياء — هو وقت التمام، ووقت النصر، ووقت النضج، وظهور الحق على رؤوس الإشهاد.

ما هي ردة فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow